محمد بن علي الشوكاني
5162
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
عتبة زوجة أبي سفيان أن تأخذ من ماله ما يكفيها ويكفي أولادها ، فكان ذلك دليلًا على وجوب ذلك . وأما الإنفاق [ 3 أ ] في الجهاد فقد جعل الله في بيت مال المسلمين الذي هو في الحقيقة مجموع من الأموال التي هي للمسلمين كالفيء والخراج والجزية والمعاملة ، وسائر ما يؤخذ من أموال المسلمين من خمس أو عشر أو نصف عشر للجهاد نصيبًا ، فإن لم يكن لهم بيت مال فقد أوجب الله عليهم مجاهدة الكفار بالأنفس والأموال ، يجاهد كل منهم بنفسه وماله على حسب ما تبلغ إليه طاقته ، ويقدم نفسه أولًا ، فإذا أراد الاستزادة من الخير جهز من المجاهدين من أراد تجهيزه هذا معنى الجهاد المذكور في الآية ، وهو الذي كان عليه عمل الصحابة في عصر النبوة ، ولما فتح الله بالخير في أواخر أيام النبوة قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فيما صح عنه : " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فمن ترك مالًا فلورثته ، ومن ترك دينًا فإلي وعلي " ( 1 ) ثم هكذا كان الأمر في عصر الصحابة بعد موته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ثم عصر التابعين وتابعيهم لم يسمع في هذه العصور التي هي خير القرون أنهم أكرهوا أحدًا على إخراج ماله إلى يد السلطان أو نائبه ، بل كان المجاهدون في تلك العصور طائفتين ؛ طائفة مرتزقة أي مرتزقة من بيت مال المسلمين وهم جند السلطان ، وطائفة متطوعة يخرجون للجهاد ويتجهزون له من أموالهم من غير أن يأمرهم السلطان بالخروج أو يكرههم عليه ، وهكذا كان الأمر في العصور
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 2298 ، 2398 ، 2399 ، 4781 ، 5371 ، 6731 ، 6745 ، 6763 ) ومسلم في صحيحه رقم ( 14 ، 15 ، 16 ، 17 / 1619 ) ، والترمذي رقم ( 1070 ) والنسائي ( 4 / 66 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .